السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
422
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله في آخر الآية التالية : وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ، وكيف كان فالمراد - واللّه أعلم - أنهم يتولون عن حكم كتاب اللّه اعتزازا بما قالوا واغترارا بما وضعوه من عند أنفسهم واستغناء به عن الكتاب . قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ الخ ؛ معناه واضح ، واغترارهم بفريتهم التي افترتها أنفسهم مع أن الإنسان لا ينخدع عن نفسه مع العلم بأنها خدعة باطلة إنما هو لكون المغرورين غير المفترين ؛ وعلى هذا فنسبة الافتراء الذي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين لكونهم أمة واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض . وإما لأن الاغترار بغرور النفس والغرور بالفرية الباطلة مع العلم بكونها فرية باطلة وذكر المغرور أنه هو الذي افترى ما يغتر به من الفرية ليس من أهل الكتاب ومن اليهود خاصة ببعيد ، وقد حكى اللّه عنهم مثل بل ما هو أعجب من ذلك حيث قال تعالى : وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( البقرة / 77 ) . قوله تعالى : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إلى آخر الآية ؛ مدخول كيف مقدر يدل على الكلام مثل يصنعون ونحوه ، وفي الآية إيعاد لهؤلاء الذين تولوا إذا دعوا إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم وهم معرضون غير أنه لما أريد بيان أنهم غير معجزين للّه سبحانه اخذ في الكلام من حالهم يوم القيامة وهم مستسلمون يومئذ ما يضاهي حالهم في الدنيا عند الدعوة إلى حكم كتاب اللّه وهم غير مسلمين له مستكبرون عنه ، ولهذا اخذ بالمحاذاة بين الكلامين ، وعبر عن ما يجري عليهم يوم القيامة بمثل قوله : إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ، الخ ؛ دون أن يقال : إذا أحييناهم أو بعثناهم أو ما يماثل ذلك . والمعنى - واللّه أعلم - أنهم يتولون ويعرضون إذا دعوا إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم اغترارا بما افتروه في دينهم واستكبارا عن الحق فكيف يصنعون إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم